- إن مطلب الشعوب إقامة العدل بينهم لن يكون أبداً مطلباً جديداً ، فقديماً قالوا ( إن العدل أساس الملك ) .
- وإن كان الأمر كذلك فتعالوا كما تعودنا نبحث عن معنى العدل ، حتى لا نكتشف أننا كنا نبحث عن شئ آخر .
- فإن قلت لي أن العدل هو أن يكون الناس جميعاً أمام القانون سواء ، كانت هناك معضلة . فكيف إذا كان القانون نفسه ظالماً ، فحينئذ كأننا نقول أن العدل أن يكون الناس جميعاً أمام الظلم سواء ، وفي ذلك عين الظلم .
ولكن كيف يكون القانون ظالماً ؟
أقول لك أنه إن لم تكن العقوبة مناسبة تماماً لمقدار وحجم الجريمة الواقعة كانت العقوبة ظالمة وكان القانون ظالماً .
ظالماً لمن ؟ للمجتمع بأسره . لأنه عندئذ نكون قد جعلنا أرواح الناس جميعاً في خطر ، فسيخرج القاتل من سجنه ليبحث عن قتيل آخر , وسوف تكون الرأفة بالقاتل هنا هي عين الظلم .
والمثل بالمثل إن كانت العقوبة غير مناسبة بأن كانت أكبر من الجرم .
وهنا يطرح سؤال نسه , وكيف تكون العقوبة مناسبة لحجم الجرم ؟
وهنا أيضا يختلف الناس ولا يتفقون أبداً ، وهذا شأن طبيعي جداً ، لأن أفكار الناس لا تتشابه ، وعقولهم لا تتكافأ ، وتصوراتهم لابد وأن تختلف ، وخيالاتهم شتى ( ولا يزالون مختلفين ، ولذلك خلقهم ) .
وسوف أضرب لكم مثلاً حياً لما نعيشه الآن يكاد يصرخ قائلاً للناس أين عقولكم ؟ ألا تتفكرون ؟
إن هناك جريمة قائمة الآن أمام أعيننا نراها ليلاً ونهاراً ونعرف اسمها جيداً ونرددها كل يوم ( الإفساد السياسي – الإفساد الاجتماعي ) ولكننا لا نعرف لها عقوبة ، فالقانون الذي نعيش به وعليه طوال حياتنا لم يضع عقوبة تتناسب مع حجم هذه الجريمة ، فهو قانون طبقاً لهذا التعريف ظالم ، والدليل على ذلك أننا نرى المفسد أمام أعيننا كل يوم ويمنعنا القانون من إنزال العقوبة به ، فما يكون منا إلا أن نبحث له عن جريمة أخرى نعاقبه عليها ، ولتكن السرقة مثلاً .
ثم أعود وأقول لكم إن الاسلام هو القانون الوحيد الذي جرم هذا الفعل وجعل له عقوبة واضحة لأنه القانون الذي نزل من خالق البشر ليحكم بين البشر – سبحان الله ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) – إنه حد الإفساد في الأرض . أي والله يا اخي إن هذا الحد موجود في قرآننا الذي نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليحكم به الله بين عباده ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) ، ( وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم ) .
تعالوا نرى ماذا قال ربنا في ذلك . قال تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) .
أنظر كيف جعل الله جريمة الافساد في الأرض بمثابة محاربة الله ورسوله ، ثم أنظر كيف تكون عقوبتهم على ما فعلوا .
وأشهد الله أني لم أشعر بحجم جريمة الافساد في الأرض إلا حين رأيت ما رأيته هذه الأيام ، ولكنك يارب كنت تعلمه قبل أن نراه بأعيننا ، ووضعت له العقاب الذي أشهد أيضاً أنه العقاب المناسب لحجم هذه الجريمة .
وإذا أقررنا أنه لن يتفق الناس أبداً على مناسبة عقوبة ما على جرم ، وأنه لابد لأن يكون القانون عادلاً أن تكون عقوباته مناسبة للجرم المقابل لها ، فتعالوا نقول أن الله هو الوحيد القادر على وضع اقانون العادل بين الناس لأنه ببساطة هو الوحيد القادر على وضع العقوبة التي تتناسب تماماً مع حجم الجرم بغير زيادة تؤدي إلى ظلم المجرم ، ولا نقص يؤدي إلى ظلم المجتمع والذي وقع عليه الجرم ، ولأنه ببساطة الخالق للبشر الذي يعلم ما يصلح شأنهم ، ولأنه العدل المطلق وهو حرم الظلم على نفسه بالرغم من قدرته على ظلم الناس أجمعين .
ثم نقول أن هناك شق آخر مهم لإقامة العدل بين الناس فبالاضافة لأن يكون القانون عادلاً ، لابد أن يكون القائمون على القانون أنفسهم راغبين في تحقيق العدل ، مقدرين لجسامة المهمة الملقاة على ظهورهم والأمانة الموضوعة في رقابهم ، وهم في ذلك لا يرجون إلا وجه الله تعالى وقد ألقوا أهوائهم وراء ظهورهم ، لا يشترون به ثمناً قليلاً ، عالمين بأنهم خلفاء لله في أرضه يحكمون بين عباده ، ويخافون ما ينتظهرم من عقاب عند الله إن هم حادوا عن الحق واتبعوا أهوائهم ، يستوي أمام أعينهم الغني والفقير ، والقادر وغير القادر ، والسلطان والعامل .
هنالك فقط يقام العلدل بين الناس ، فهو طائر بجناحين : القانون الذي وضعه الله ، والقاضي الذي يخاف الله .
وكأني أسمع الله من فوق سبع سماوات يقول ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) .
فعجباً لمن يبحث عن العدل بعيداً عنه ، كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، والسلام .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق