أما الدولة الدينية فنموذجان ، نذكرهما باختصار إن شاء الله .
فالنموذج الأول ، والذي يمثله الحكم الكنسي للدولة المسيحية في القرون الوسطى والذي ثارت عليه شعوب أوربا فأسقطته وأقامت على أنقاضه عصر النهضة والتقدم .
وفي هذا النموذج يكون الحكم لرجل الدين ، وتكون السلطة فيه على النفس والمال والفكر لرجل الدين ، فهو الذي يشرع وهو الذي يسن القوانين ، وهو الذي يجرم ، وهو الذي يضع القيود والحدود ، وهو الذي يدين ويعاقب ، ولا مرجع له في ذلك إلا ما يراه هو ، فسلطته لا حدود لها ، وتصل هذه السلطة إلى أنه هو الذي يدخلك الجنة والنار بصكوك الغفران .
وقد أدى هذا النموذج إلى ما نعرفه من حجر على الفكر حتى أن المخترعين والمكتشفين والباحثين الأوربيين الذين عاصروا هذه الحقبة قد تعرضوا لعقوبات جسدية وروحية لم يتعرض لها غيرهم لا لشئ إلا أنهم أظهروا قدرة – من وجهة نظر الكنيسة – تحدوا بها قدرة الكنيسة نفسها وأظهروا عجزها عن السبق بهذه الاكتشافات على اعتبار أن رجل الدين يوحى إليه من الله ، وكان اولى به على ذلك أن يسبق إلى هذه الاكتشافات . وبما أنه لم يسبق إليها فهي خطأ يعاقب عليه المكتشف .
ولا يخفى على بشر عيوب هذا النموذج الذي لا يتعامل مع الفطرة البشرية التي تتطلع دائماً لمعرفة المجهول ويشدها كل ما هو جديد للتعرف عليه واكتشافه ، كما أن الانسان بطبيعته لا يقبل داخلياً أن يكون من هو أفضل منه على الاطلاق فيتحكم في حياته بأسرها دون الاستناد إلى أمر إلهي يدعمه ويخضع له الآخرين.
وهذا النموذج لا نريده ، وننفر منه ونحذر منه الآخرين . فلا يهمنا أبداً أن يكون رجل الدين هو الحاكم ، وإن تصادف حدوث ذلك فلا بأس .
النموذج الثاني ، ففيه يكون الحاكم والمحكمون جميعاً محكموين وفق قانون يضعه طرف ثالث معصوم من الخطأ يدين له الطرفان بالخضوع ، وهذا هو النموذج الذي قامت عليه الدولة الاسلامية التي أسسها النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي هذه الدولة يكون هناك عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكموم يلتزم فيه الحاكم أن يحكم بشرع الله وإن خالف هواه ، ونرى في ذلك مقولة أبي بكر الصديق يوم تولى الخلافة ( أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ) .
فللرعية أن يخلعوا الخليفة إذا أخل بهذا العقد .
وفيه أيضاً نرى عمر بن الخطاب يقف على منبره ليخطب في الناس فيقوم أحدهم ويقول ( يا عمر ، لا سمع ولا طاعة حتى تخبرنا عن ثوبك الجديد ، ولكل منا ثوب واحد ، فلم يكون لك ثوبان ) فلما أجاب عمر ، قال الرجل ( الآن نسمع منك يا أمير المؤمنين ) ، وأمثلة كثيرة .
وفي هذا النموذج يكون الحاكم والمحكوم سواءاً أمام الطرف الثالث . ويكون الحاكم الحقيقي إله حق لا ينسى ولا يخطئ ولا يظلم ، وهذا هو مفهوم قوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر ) وقوله تعالى ( إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) .
ونجد في هذا النموذج أيضاً رسول الله يقول ( أطلبوا العلم ولو في الصين ) ونجد الله عز وجل يقول ( وقل رب زدني علماً ) فلا حجر على الفكر والعقول ، بل دعوة وتكليف بطلب العلم والعمل به حتى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ) . وفي ذلك ما فيه من خلاف مع النموذج الآخر ، وفيه تستطيع أن ترد على رجل الدين فتواه وتقول له ( ما دليلك من الكتاب والسنة ؟ ) فإن أجابك وإلا فلا طاعة له عليك .
ثم نقول إن وسائل الاعلام المقرؤة والمسموعة تقوم بتعريف الناس بالدولة الدينية من خلال عرض النموذج الأول من الدولة الدينية وتتجنب تماماً ذكر النموذج الثاني لتنفير الناس من الدولة الدينية واظهار مساوئها ، لا لشئ إلا للترويج لنوع آخر من الحكم آمنوا هم به ورضوه ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) . وفي ذلك ما فيه من تضليل لعقول الناس وكتم للحق وترويج للباطل .
وتكون الاجابة عليهم بسؤالين فقط لن يجدوا لهما إجابة . هل نجحت الدولة الاسلامية التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كانت دولة فاشلة ؟
فإن كانت ناجحة فلم لا نتبع هذا النموذج الناجح ، وإن كانت فاشلة فكيف بقيت أربعة عشر قرناً من الزمان وامتدت في صراعها مع أعظم دولتين عرفهما التاريخ الفارسية والبيزنطية لتهزمهما في آن واحد وتبطش بهما وتزيحهما تم تمتد رقعتها لتشمل ثلثي مساحة العالم القديم وتقدم للتاريخ كل ما قدمته من حضارة في شتى مجالات العلوم لا ينكرها إلا جاحد أو ظالم أو مزور للتاريخ .
إن الأمر واضح لكل ذي عقل وسمع وبصر . هناك من يضع يديه ليحجب ضوء الشمس ، وما هو بحاجبه ، فالحق أبلج ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) . صدق الله العظيم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق