الخميس، 26 مايو 2011

الغساله((باظت))

مساء الخير-
مساء النور يافندم-
قرأت اليوم  اعلان ان عندكم غسالات عليها اوكازيون......مضبوط ولا ايه؟-
-أيوه يافندم..عندنا غسالات هايله-سعه ممتازه-سرعه عاليه-نظافه محصلتش- ومش هتلاقى لها مثيل فى مصر يا أستازى.
معقول؟؟طيب ياترى المحل فين؟-
المعرض فى شارع ........ وفاتحين طول النهار,وخدمة التوصيل مجانا.-
طيب والسعر؟؟-
اطمئن مش هتمشى الا وانت مبسوط.حضرتك بس تشرف.-
وهرول عبد الرحمن منطلفا الى المحل و قد وضع فى جيبه الجمعيه التى قبضها للتو.
وفى المكان المحدد وجد المعرض مزدانا بالأنوار الخضراء و الحمراء و الصفراء,والمعرض على سنجة عشره..ووجد فى استفباله الشاب-محمد-ذا الوجه الصبوح الباسم .
وأجلسه محمد على الكرسى وقدم له العصير ..وبدأ محمد يعدد يكرر على سمعه مزايا الغساله مرة أخرى وهو يضع يمناه على الغساله ويبتسم لعبد الرحمن.وكلما استرسل محمد كلما زاد انشراح صدر عبد الرحمن .
لا أطيل عليكم..خرج عبد الرحمن بعد دقائق وقد اشترى الغساله.
وانطلق عبد الرحمن بغسالته الجديده الى بيته بسرعه.وصعد السلم فى سرعة البرق,وفتح باب الشقه وجهز المكان للغساله.وما أن وصلت الغساله وتم تجهيزها بالوصلات اللازمه لتشغيلهاحتى شرع عبد الرحمن يضع ملابسه المتسخه,و المسحوق,والصابون,والماء الساخن,و........ثم ضغط عبد الرحمن على مفتاح التشغيل ليرفرف قلبه مع صوت الغساله الجديده.
وجلس عبد الرحمن يشاهد تلفازه حتى ينتهى شوط الغسيل.
وبعد ساعه يفتح عبد الرحمن باب الغساله ويبدأ فى اخراج خلجاته قطعه قطعه وينظر اليها......اللللللللله ايه ده؟يادى المصيبه!!لقد تهربدت ملابسه ..لقد انكسرت مروحة الغساله..لقد تسرب الماء الى خارج الغساله  أثناء شوط الغسيل.
الو-مين؟محمد؟
لأ –أنا شمعون.
شمعون؟شمعون ؟
 صاحب المعرض.
مش مهم.الغساله باظت يا شمعون.
غسالة ايه؟
غسالة ايه!!!أنا جاى لك حالا.
وحين رجع عبد الرحمن الى المعرض  وجده دكانا غيرالذى راه .اختفت الزينه وحل محلها ضوء خافت باهت لا يكاد يرى من خلاله الا حركة الفئران السريعه تخرج من جحورها الضيقه وتجرى بسرعة بجوار الحائط حتى تدخل الجحر المقابل..وما أن وضع قدمه داخل الدكان حتى غاصت فى طين لا يراه فى الظلام,فرفعها بسرعه,وعاد خارج الدكان.ثم وقف بالخارج ونادى بأعلى صوته(يامحمد يامحمد يامحمد..الغساله باظت..عاوز أرجع الغساله).
وبرز من داخل الدكان شبح شخص ليس له ملامح الانسان,ولكن له صوت الانسان..
-(عاوز ايه؟)
-فين محمد؟-
- محمد شغال عندى فى المحل ,و بعثته فى مشوار..عاوز ايه؟-
- الغساله باظت.-
- الغساله سليمه وكويسه.انتم اللى مبتفهموش.انتم أغبياء.-
-الهدوم باظت و المروحه انكسرت و الغساله معادتش غساله.-
-الغساله دى مبتشتغلش فى البلد دى..دى بلد وسخه.-
-أمال بتشتغل فين؟-
-بتشتغل فى البلاد اللى هناك.لا كهربتكم تنفعها,ولا مسحوقكم ينفعها,ولا هدومكم تنفعها,ولا أنتم تنفعوها.
-طيب وبعدين يا حاج؟ممكن أرجعها واخد فلوسى؟
-حاج ايه ياحمار؟وترجعها ايه؟لوطلعت لك وشفقتنى هتقول يا ريتنى,ومحدش هيحس بيك زى ما انت شايف...امشى يابن ال........أحسن أطلعلك.
و امتلأ قلب عبد الرحمن رعبا و خوفا,وأطلق ساقيه للريح ليهرب من هذا المكان بيت الأشباح.
ورأى عبد الرحمن ألا يعود الى بيته وهو على هذه الحال,وقادته قدماه الى بيت صاحبه ابراهيم ليحكى له ما حدث,ويحاول عنده أن ينسى هذا الحدث المخيف الذى مر عليه كأنه حلم مزعج,وهناك,يضحك معه قليلا لعل دقات قلبه المتسارعه أن تهدأ ويعود الى بيته مرتاحا,فينام,والعوض على الله فى الجمعيه.
وفى طريقه الى بيت ابراهيم:
-ابراهيم-ابراهيم..على فين ؟دا أنا كنت جايلك..وايه الشياكه دى ياعم؟؟-
-أهلا عبده.فينك من زمان؟لازم وراك مصيبه.-
-أيوه يابو خليل..ولا فى الأحلام.-
-طيب تعالى معايا..حتة ندوه ..تعالى,,هتسمع كلام عمرك ماسمعته,وبالمره احكى لى على حلمك اللى شفته.
-ماشى يا باشا..أروح معاك اخر الدنيا,,ما انت عارف انك حبيبى يابوخليل.-
وما أن وصلا الى موضع الندوه حتى دخلا الصوان .وما أن جلسا على كرسيين متجاورين حتى أسند عبد الرحمن ظهره الى الكرسى وشبك بين أصابع يديه ثم وضعهما خلف رأسه, أغمض عينيه ,و أخذ نفسا عميقا,وتنهد تنهيدة من يشعر بحسره.
ابراهيم :انت عارف يا عبده حال البلد اليومين دول,وكل واحد عنده شوية كلام عامل فيها فصيح.بس الناس دى بتتكلم زى الفل يا عبد.
وبدأ عبد الرحمن يحكى:عارف حصلى ايه انهارده يابوخليل؟ولا فى الأحلام.
ويقاطعه ابراهيم:بعدين يا عبده بعدين..شايف مين قعد على المنصه؟شايف؟
عبد الرحمن: الله مش ده عمرو حمزاوى.
-اى والله باين هو.
أسكت أسكت.-
وبدأ حمزاوى يتحدث:اخوانى,حضراتكم طبعا عارفين الحاله اللى بتمر بيها البلد,والظروف اللى اتعرضت ليها فى المرحله السابقه.ظلم و اضطهاد,وكبت للحريات,ونهب لثروات البلاد,وحجر فكرى,وتفرفه طائفيه.احنا جمعناكم يا اخوانى عشان نبنى بلدنا من جديد.عاوزين نحط دستور جديد لبلدنا يضمن لنا عدم تكرار ده تانى.عاوزين الناس كلها تحس ان دى بلدها.مش عاوزين حجر على الفكر.مش عاوزين قيود دينيه ترجع بينا لعصور الظلام.مش عاوزين تفرقه طائفيه.باختصار,عاوزين نبنى مصر جديده مدنيه حره
ويقف ابراهيم:كلامك زى الفل يا أستاز,يسلم فمك.بس الدستور ده نجيبه منين؟
حمزاوى:هنستوحى دستور من أعرق الدساتير فى العالم.فيه الدستور الانجليزى,والفرنسى,والألمانى.هناخد من كل الدساتير دى,احنا مش أقل منهم.لازم نلحق بالركب العالمى.هنعمل دستور يحقق لنا كل أحلامنا.دستور ماشفتهوش مصرقبل كده,وغير مسبوق فى الشرق الأوسط كله.
وينظر عبد الرحمن الى ابراهيم ويسأله:فين شمعون؟
ونظر عبد الرحمن الى عينى ابراهيم وهو يسأله هذا السؤال,فوجد ملامحه تتحول وابتسامته تموت,وعينيه تغربان.ويسود فى الصوان صوت الأموات.
ويقوم عبد الرحمن مطأطئا رأسه ,ويتوجه الى خارج الصوان وهو يتمتم بكلمات غير مفهومات.
وما أن خرج من الصوان وابتعد عنه خطوات حتى سمع التصفيق والهتافات التى تحيى حمزاوى تعود لتعلو بعد أن ساد صوت الأموات.وسمع صوت صاحبه يناديه من على باب الصوان:(على فين يا عبد الرحمن؟)
ويشيح عبد الرحمن الى صاحبه,ويعطيه ظهره ويخطو مبتعداشيئا فشيئاا,ثم يقول و قد توارى بعيدا بصوت أحاط صداه بالصوان,وسمعه الميتون على كراسيهم(رايح أرجع الغساله-لازم أرجع الغساله).

الجمعة، 20 مايو 2011

الحب القاتل

    الحب القاتــــل      
هل يقتل الحب ؟؟ وكيف يقتل ؟؟  وما سببه ؟؟؟؟؟
هكذا ماتت زينب ذات الخمس واربعين .
بدايه نقول أنه لا يستطيع أحد أن يعيش في هذه الحياة في جو مشحون بالكراهيه وإحساس ببغض الآخرين له وحقدهم عليه مهما اوتي من ثبات وقوه نفس ورباطه جأش.
ومهما أظهر هذا الشخص من عدم اكتراث بهذا الشعور , فإنه غالباً ما ينهار نفسياً او يصاب بإكتئاب لهذا الشعور.
 فالحب حياة القلوب , الحب الذي تطمئن به الأنفس وتبيت بها لياليها في سكينه وبشر .
الحب الذي تتحمل به الأبدان ما تتلقاه من مكاره ومتاعب ومصاعب في الدنيا وهي راضيه مطمئنه.
هو الذي تبتسم به الشفاه وتلمع به الأعين بريقا , وتنشرح به صدور المحبين وتجري به الدماء في عروقهم وتنشط به اجسادهم فتتحمل من المشاق ما لا تتحمله بدونه , هو ذلك الحب الطيب الذي يسعد به صاحبه ولا يشقي.
فالحب نوعان يا احبائي , حب يسعد به صاحبه ولايشقى,و حب يشقي به صاحبه ولا يسعد , لا في الدنيا ولا في الاخره .
ولأن البشر لا يملكون قلوبهم,ولا يستطيعون السعاده لأنفسهم اصلاً , فإننا لانجد هذا النوع من الحب لديهم لأن فاقد الشئ لا يعطيه .
ولأن الله تعالي هو مالك القلوب ومصرفها ومؤلفها فقد استأثر لنفسه بسر اسباب الحب , وسر اسباب السعاده .
وأصدق دليل علي ذلك ما نراه ونلمسه دوماً من جحود من اعطيناهم قلوبنا وانفسنا ثم هم يبادلوننا بغضاً بحب , وغدراً بإخلاص .
ومن الشقاوة أن تحب
                     ومن تحب يحب غيرك
وتشغل انت بحال مرء
                       وبحال غيرك يشغل من اهمك
والحب الذي يسعد هو الحب في الله , ومن باب اولي حب الله تعالي ذاته .
والحب في الله ينظر اليه الجاهلون علي انه حب الزاهدين اصحاب اللحي والعباءات (المدروشين) عابسي الوجوه الذين لا يبتسمون إلا امام المرآه ,
ولكني اقول إن هذا مفهوم خاطئ لا يستقيم مع قول النبي صلي الله عليه وسلم في السبعه الذين يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله .
إن الحب في الله معناه ان تحب الشخص لا تحبه إلا لأنك وجدته مقيماً علي طاعة الله , مظنه حب الله له  , ورجاءاً أن ينالك من هذا الحب نصيب تكون به من السعداء - فحبيب حبيبي حبيبي-  فإن ترك الشخص الطائع طاعته التي كان مقيماً عليها أقلعت أنت عن حبه حتي يعود .
وعلي ذلك المفهوم , فقد يطال الحب في الله حب المرأه لزوجها الطائع الصالح , والرجل لزوجته , والجار لجاره , والصاحب لصاحبه .
وهذا النوع من الحب لا يشقي به صاحبه ابداً بضمان من الله عز وجل الذي يرعي هذا الحب ويصونه ويرسخه في القلوب , وينبت به شجره السعاده والطمأنينه في النفوس المحبه , ثم يجعل جزاءه في الآخره ظل عرشه .
اما حب العاصين فهو سبب كل الإبتلاءات لأصحابه, وهو حب يزينه الشيطان لأصحابه , لأن الله لا يزين العصاة ابداً فى أعين المؤمنين , فيكون ذلك الحب سبب هوانهم وذلهم في الدنيا , وهو مصدرشقائهم ونكد عيشهم , وحزن قلوبهم , فهو كالماء المالح لا يزداد شاربه إلا عطشاً وظمأً حتي يموت مريضاً سقيماً .
فالتعاسه كل التعاسه لأمرأه وقعت في حب رجل عاصٍِ مقيم علي معصية الله , فهي لا تستطيع بكل حال أن ترضيه ,ً وهي في محاوله إرضائه تجد نفسها تعصي الله ربها وربه .
وهنا تبدأ المتبادلات,فكلما عصت ربها لترضيه,كلما زادها الله تعلقا به عقابا.وكلما زاد تعلقها كلما أوحلت فى معصية الله,فيزيدها الله تعلقا به,وهكذا حتى تخرج من رحمة ربها صاحب النعم. ,ولا يرضى زوجها ولا تقر عينه بها على كل ما تقدمه,ولا تنال قلبه لأن الحب نعمة من نعم الله,ونعمة الله لا تنال أبدا بمعصيته.
ولطالما رأيت امرأة تخلع حجابها وتكشف ستر الله عليها فتطلع أعين الناظرين لترضى زوجها زائغ البصر المتطلعة عيناه الى عورات النساء,وهو لايرضى ولا يتغير.وأمثلة من هذا القبيل كثيره لا تحصى.
وفى كل مرة تغضب فيها ربها من أجل من تحب ينكت فى قلبها نكتة سوداء حتى يصير قلبها أسودا لابياض فيه وهى لا تشعر.وقد تموت على ذلك فتلقى ربها وهو غاضب عليها.
وهذا النوع من الحب يا اخوانى لا يلبث أن يصيب المحبين بأمراض واسقام بدنيه يكون سببها مرض النفس و شقاؤها فى سعيها وراء سراب يشغل ليلها ونهارها,ويذهب نومها,ويشرد بفكرها,وتنسى به ربها و اخرتها.
ان اصحاب هذا الحب انما يشقون بحبهم لجهلهم بربهم ودينهم و شريعة الههم التى أرسى قواعدها النبى محمد صلى الله عليه وسلم لتصلح بها حياة الناس و تسعد قلوبهم,فخالق النفس هو الأعلم بما يسعدها(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).
وفى ذلك يقول تعالى(ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم)ويأمرنا النبى فيه أيضا أن نزوج بناتنا للأتقياء الذين ان أحبوهن أكرموهن,وان كرهوهن لم يظلموهن.
وما يقال فى الأزواج العاصين يقال فى العاصيات,فالنساء شقائق الرجال.
أما الحب فى الله,فتبيت به المرأة هادئة مطمئنة مبتسمة شاكرة ربها ما أنعم عليها,فى كنف الحبيب الطائع لربه,فيشكر الله لها,فيزيدها سعادة(ولئن شكرتم لأزيدنكم).ولاتزال تتقلب فى محبة زوجها ورضاه عليها بفضل مالك القلوب ومقلبها الذى تكفل بحفظ هذا الحب.ولاتزال تنتقل من فضل الى فضل,ومن نعيم الى نعيم مع من تحبه فى الله وهو صارف نظره اليها حتى يلقيا الله وهو راض عنهما...وكأنى أنظر اليهما يمشيان معا على جسر نهر من أنهار الجنة ,لا شمس فيها ولا برد,وهما متلاصقان يتضاحكان وعين الله لهما حارسه جزاءا لهما على هذا الحب,فيكون حبا خالدا لايموت أبدا,بل يتبدل من حال الى حال أرقى وأبهج.
هو ذلك الحب الذى يحض فيه كل حبيب حبيبه على طاعة الله فى الدنيا.يتجالسان يتذاكران الله ساعه و يتضاحكان ساعه ثم يبيت كل منهما وقد صرف بصره لمن يحب ,وقلبه الى الله صاحب النعم.
وهكذا حين رأيت زينب التى أعرفها بعد عشرين عاما,وقد خلعت حجابها,وذهب بهاء وجهها الذى أعرفه,وهزل جسدها,وأحاطت الهالات السوداء بعينيها وأخبرتنى أنها فى رحلات دائمة الى الأطباء منذ عشرين عاما.جاءنى بعدها بأيام من أخبرنى بموتها.
وحين ذهبت للعزاء وقابلت من كان زوجها وصافحته-ولم أكن رأيته قبلا- ونظرت الى عينيه الزائغتين,وأسنانه البنيه,ووجهه القاتم,وسبابته الصفراء,وبنطاله المثقب,.وحين لمحت نظرة ام زينب اليه,ترحمت على زينب التى تزوجت عن حب.لقد وقعت فى المحظور.
اخوانى و أبنائى:اذا صادفتم العاصى فاقضوا حاجتكم منه ثم انصرفوا,ولا تلتفتوا,ولا تبتسموا,ولا تجعلوا بينكم وبينه ودا,ولا تعرضوا أنفسكم للفتن,فالوقاية خير من العلاج,وابحثوا عن الأتقياء,فهم كالدرر و اللألئ الحسان.ولا تطلبوا لأنفسكم الصالحين و الصالحات حتى تصلحوا أنفسكم.فانهم يطلبون لأنفسهم ما تطلبون.
غفر الله لى ولكم,و أصلح شأنى و شأنكم. و السلام

الثلاثاء، 10 مايو 2011

الطرف الثالث

أما الدولة الدينية فنموذجان ، نذكرهما باختصار إن شاء الله .
فالنموذج الأول ، والذي يمثله الحكم الكنسي للدولة المسيحية في القرون الوسطى والذي ثارت عليه شعوب أوربا فأسقطته وأقامت على أنقاضه عصر النهضة والتقدم .
وفي هذا النموذج يكون الحكم لرجل الدين ، وتكون السلطة فيه على النفس والمال والفكر لرجل الدين ، فهو الذي يشرع وهو الذي يسن القوانين ، وهو الذي يجرم ، وهو الذي يضع القيود والحدود ، وهو الذي يدين ويعاقب ، ولا مرجع له في ذلك إلا ما يراه هو ، فسلطته لا حدود لها ، وتصل هذه السلطة إلى أنه هو الذي يدخلك الجنة والنار بصكوك الغفران .
وقد أدى هذا النموذج إلى ما نعرفه من حجر على الفكر حتى أن المخترعين والمكتشفين والباحثين الأوربيين الذين عاصروا هذه الحقبة قد تعرضوا لعقوبات جسدية وروحية لم يتعرض لها غيرهم لا لشئ إلا أنهم أظهروا قدرة – من وجهة نظر الكنيسة – تحدوا بها قدرة الكنيسة نفسها وأظهروا عجزها عن السبق بهذه الاكتشافات على اعتبار أن رجل الدين يوحى إليه من الله ، وكان اولى به على ذلك أن يسبق إلى هذه الاكتشافات . وبما أنه لم يسبق إليها فهي خطأ يعاقب عليه المكتشف .
ولا يخفى على بشر عيوب هذا النموذج الذي لا يتعامل مع الفطرة البشرية التي تتطلع دائماً لمعرفة المجهول ويشدها كل ما هو جديد للتعرف عليه واكتشافه ، كما أن الانسان بطبيعته لا يقبل داخلياً أن يكون من هو أفضل منه على الاطلاق فيتحكم في حياته بأسرها دون الاستناد إلى أمر إلهي يدعمه ويخضع له الآخرين.
وهذا النموذج لا نريده ، وننفر منه ونحذر منه الآخرين . فلا يهمنا أبداً أن يكون رجل الدين هو الحاكم ، وإن تصادف حدوث ذلك فلا بأس .
النموذج الثاني ، ففيه يكون الحاكم والمحكمون جميعاً محكموين وفق قانون يضعه طرف ثالث معصوم من الخطأ يدين له الطرفان بالخضوع ، وهذا هو النموذج الذي قامت عليه الدولة الاسلامية التي أسسها النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي هذه الدولة يكون هناك عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكموم يلتزم فيه الحاكم أن يحكم بشرع الله وإن خالف هواه ، ونرى في ذلك مقولة أبي بكر الصديق يوم تولى الخلافة ( أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ) .
فللرعية أن يخلعوا الخليفة إذا أخل بهذا العقد .
وفيه أيضاً نرى عمر بن الخطاب يقف على منبره ليخطب في الناس فيقوم أحدهم ويقول ( يا عمر ، لا سمع ولا طاعة حتى تخبرنا عن ثوبك الجديد ، ولكل منا ثوب واحد ، فلم يكون لك ثوبان ) فلما أجاب عمر ، قال الرجل ( الآن نسمع منك يا أمير المؤمنين ) ، وأمثلة كثيرة .
وفي هذا النموذج يكون الحاكم والمحكوم سواءاً أمام الطرف الثالث . ويكون الحاكم الحقيقي إله حق لا ينسى ولا يخطئ ولا يظلم ، وهذا هو مفهوم قوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر ) وقوله تعالى ( إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) .
ونجد في هذا النموذج أيضاً رسول الله يقول ( أطلبوا العلم ولو في الصين ) ونجد الله عز وجل يقول ( وقل رب زدني علماً ) فلا حجر على الفكر والعقول ، بل دعوة وتكليف بطلب العلم والعمل به حتى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ) . وفي ذلك ما فيه من خلاف مع النموذج الآخر ، وفيه تستطيع أن ترد على رجل الدين فتواه وتقول له ( ما دليلك من الكتاب والسنة ؟ ) فإن أجابك وإلا فلا طاعة له عليك .
ثم نقول إن وسائل الاعلام المقرؤة والمسموعة تقوم بتعريف الناس بالدولة الدينية من خلال عرض النموذج الأول من الدولة الدينية وتتجنب تماماً ذكر النموذج الثاني لتنفير الناس من الدولة الدينية واظهار مساوئها ، لا لشئ إلا للترويج لنوع آخر من الحكم آمنوا هم به ورضوه ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) . وفي ذلك ما فيه من تضليل لعقول الناس وكتم للحق وترويج للباطل .
وتكون الاجابة عليهم بسؤالين فقط لن يجدوا لهما إجابة . هل نجحت الدولة الاسلامية التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كانت دولة فاشلة ؟
فإن كانت ناجحة فلم لا نتبع هذا النموذج الناجح ، وإن كانت فاشلة فكيف بقيت أربعة عشر قرناً من الزمان وامتدت في صراعها مع أعظم دولتين عرفهما التاريخ الفارسية والبيزنطية لتهزمهما في آن واحد وتبطش بهما وتزيحهما تم تمتد رقعتها لتشمل ثلثي مساحة العالم القديم وتقدم للتاريخ كل ما قدمته من حضارة في شتى مجالات العلوم لا ينكرها إلا جاحد أو ظالم أو مزور للتاريخ .
إن الأمر واضح لكل ذي عقل وسمع وبصر . هناك من يضع يديه ليحجب ضوء الشمس ، وما هو بحاجبه ، فالحق أبلج ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) . صدق الله العظيم